الآلوسي

140

تفسير الآلوسي

من شأنه الإنبات كالسباخ وهو غير مناسب هنا لقوله تعالى : * ( فَنُخْرجُ به زَرْعاً ) * والظاهر أن المراد الأرض المتصفة بهذه الصفة أي أرض كانت ، وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنها قرى بين اليمن والشام . وأخرج هو وابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي شيبة عن ابن عباس أنها أرض باليمن ، وإلى عدم التعيين ذهب مجاهد ، أخرج عنه جماعة أنه قال : الأرض الجرز هي التي لا تنبت وهي أبين ونحوها من الأرض وقرئ * ( الجرز ) * بسكون الراء ، وضمير * ( به ) * للماء والكلام على ظاهره عند السلف الصالح وقالت الأشاعرة : المراد فنخرج عنده ، والزرع في الأصل مصدر وعبر به عن المرزوع والمراد به ما يخرج بالمطر مطلقاً فيشمل الشجر وغيره ولذا قال سبحانه : * ( تَأْكُلُ منْهُ ) * أي من ذلك الزرع * ( أَنْعَامُهُمْ ) * كالتبن والقصيل والورق وبعض الحبوب المخصوصة بها * ( وَأَنْفُسُهُمْ ) * كالبقول والحبوب التي يقتاتها الإنسان ، وفي البحر يجوز أن يراد بالزرع النبات المعروف وخص بالذكر تشريفاً له ولأنه أعظم ما يقصد من النبات ، ويجوز أن يراد به النبات مطلقاً ، وقدم الأنعام لأن انتفاعها مقصور على ذلك والإنسان قد يتغذى بغيره ولأن أكلها منه مقدم لأنها تأكله قبل أن يثمر ويخرج سنبله ، وقيل ليرتقي من الأدنى إلى الأشرف وهو بنو آدم . وقرأ أبو حيوة . وأبو بكر في رواية * ( يأكل ) * بالياء التحتية * ( أَفَلاَ يُبْصرُونَ ) * أي ألا يبصرون فلا يبصرون ذلك ليستدلوا به على كمال قدرته تعالى وفضله عز وجل ، وجعلت الفاصلة هنا * ( يبصرون ) * لأن ما قبله مرئى وفيما قبله * ( يسمعون ) * لأن ما قبله مسموع ، وقيل : ترقيا إلى الأعلى في الاتعاظ مبالغة في التذكير ورفع العذر . وقرأ ابن مسعود * ( تبصرون ) * بالتاء الفوقية . * ( وَيَقُولُونَ مَتَى هَاذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) * . * ( وَيَقُولُونَ ) * على وجه التكذيب والاستهزاء * ( مَتَى هَاذَا الْفَتْحُ ) * أي الفصل للخصومة بينكم وبيننا ، وكأن هذا متعلق بقوله تعالى : * ( إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) * وقيل : أي النصر علينا ، ابن جرير . وابن أبي حاتم عن قتادة قال : قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم إن لنا يوماً يوشك أن نستريح فيه وننتقم فيه فقال المشركون : متى هذا الفتح الخ فنزلت * ( ويقولون متى هذا الفتح ) * * ( إنْ كُنْتُمْ صَادقينَ ) * أي في أن الله تعالى هو يفصل بين المحقين والمبطلين ، وقيل : في أن الله تعالى ينصركم علينا . * ( قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِيَمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ) * . * ( قُلْ ) * تبكيتا لهم وتحقيقاً للحق * ( يَوْمَ الْفَتْح لاَ يَنْفَعُ الَّذينَ كَفَرُوا إيمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ ) * . أخرج الفريابي . وابن أبي شيبة . وابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : يوم الفتح يوم القيامة ، وهو كما في البحر منصوب بلا ينفع ، والمراد بالذين فكروا إما أولئك القائلون المستهزئون فالأظهار في مقام الاضمار لتسجيل كفرهم وبيان علة الحكم ، وإما ما يعمهم وغيرهم وحينئذ يعلم حكم أولئك المستهزئين بطريق برهاني ، والمراد من قوله تعالى : * ( ولا هم ينظرون ) * استمرار النفي ، والظاهر أن الجملة عطف على * ( لا ينفع ) * الخ والقيد معتبر فيها ، وظاهر سؤالهم بقولهم * ( متى هذا الفتح ) * يقتضي الجواب بتعيين اليوم المسؤول عنه إلا أنه لما كان غرضهم في السؤال عن وقت الفتح استعجالاً منهم على وجه التكذيب والاستهزاء أجيبوا على حسب ما عرف من غرضهم فكأنه قيل لهم : لا تستعجلوا به ولا تستهزؤوا فكأني بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم فلم ينفعكم الإيمان واستنظرتم في إدراك العذاب فلم تنظروا ، وهذا قريب من الأسلوب الحكيم .